حبيب الله الهاشمي الخوئي

304

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ثمّ قال : وإنّ ورائكم الساعة تحدوكم أي تسوقكم ، وإنّما جعلها ورائنا لأنّها إذا وجدت ساقت النّاس إلى موقف الجزاء كما يسوق الرّاعي الإبل ، فلمّا كانت سائقة لنا كانت كالشئ يخفر الانسان من خلفه ويحرّكه من ورائه إلى جهة ما بين يديه انتهى وفيه أنّ الجملة الخبريّة على ما حقّقها الأصوليّون حقيقة فيما تلبّس المبتدأ بالخبر في الحال ، واستعمالها فيما لم يتلبّس به بعد مجازا إتّفاقا لا يصار إليه إلَّا بقرينة ، وعلى ذلك فجعل كون السّاعة ورائنا بمعنى أنّها تكون ورائنا إذا وجدت مجاز لا ينبغي ارادته إلَّا بقرينة ظاهرة ، وهي في المقام مفقودة . وقال القطب الرّاوندي على ما حكى عنه الشّارح المعتزلي : معنى قوله : فانّ الغاية أمامكم ، يعني أنّ الجنّة والنّار خلفكم ، ومعنى قوله : ورائكم السّاعة أي قدامكم انتهى . وهو أردء ما ذكروه في شرح المقام أمّا أوّلا فلانّ الوراء بمعنى القدام وإن ورد إلَّا أنّ الأمام بمعنى الخلف لم يسمع من أحدكما ذكره الشّارح المعتزلي وثانيا على تقدير تسليم وروده بذلك المعنى أنّ التّعبير عن الخلف بالأمام وعن القدام بالوراء مع ظهورهما في العكس ممّا يأبي عنه الذّوق السّليم والطبع المستقيم ، فيجب تنزيه كلام الامام عليه السّلام الذي هو امام الكلام عنه . وثالثا أنّه إذا جعل المراد بالغاية الجنّة والنّار فلا داعي إلى حمل الأمام بمعنى الخلف كما هو ظاهر ، بل إرادة المعنى الظاهر الذي هو نقيض الخلف أولى حسبما ذهب إليه الشّارح المعتزلي والبحراني على ما قدّمنا ذكره هذا . وأمّا قوله : ( تخفّفوا تلحقوا ) فأصله أنّ الرّجل يسعى وهو غير مثقل بما يحمله فيكون أجدر أن يلحق الذين سبقوه لأنّ التّخفيف وقطع العلايق في الاسفار سبب السّبق والفوز بلحوق السّابقين وكذلك الزهد في الدنيا وتخفيف المؤنة فيها توجب اللَّحوق بالسّالفين المقرّبين ، والوصول إلى درجات أولياء اللَّه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وما أنسب بالمقام ما رواه المحدّث الجزائري عن سلمان الفارسي ، وهو أنّه